هل يسفيق العالم متأخراً ليرى إيران تتمدد فوق العرش النووي تحت رداء “الغموض الاستراتيجي”، أم أن واشنطن ولندن وتل أبيب تساق إلى فخٍّ إعلامي أُحكمت صناعته في أروقة طهران؟
بين تصريحاتٍ إيرانية تكسر محرمات أربعين عاماً، وبياناتٍ ثلاثية تحمل النبرة الروسية-الصينية، وبين غواصاتٍ أمريكية تسقط في قبضة المليشيات كغنائم حرب؛ لم تعد اللعبة مجرد مناورة سياسية، بل أصبحت لعبة الدقيقة الأخيرة!
هل امتلكت إيران السلاح بالفعل ودخلت نادي الكبار من الباب الخلفي، أم أنها تجر المنطقة برمتها نحو الهاوية في مجازفةٍ قد تحرق الجميع؟
لفت انتباهي في اليومين الأخيرين ارتفاعُ وتيرة التصريحات الإيرانية على غير العادة، وارتفاعُ حدة الخطاب السياسي الإيراني في الحوار…
فتصريح قاليباف، رئيس مجلس النواب -وهو شخصية مهمة في سلم المناصب السياسية الإيرانية- والذي قال فيه: “أحد شروط إيران ألا تتدخل الولايات المتحدة الأمريكية في الشؤون النووية الإيرانية ولا في برامج الصواريخ الإيرانية” انتهى الاقتباس…
في العادة، ومنذ أربعين سنة، كانت إيران تقول إنها مستعدة للتفاوض حول برنامجها النووي السلمي، أما الآن فيبدو أنها لا تريد أن تفاوض أحداً حول المشروع النووي… إلا إذا كان تصريح قاليباف للاستهلاك المحلي، أو زلة لسان غير مقصودة في السياق العام للتصريحات.
هذا الموضوع يشغل أروقة أجهزة الاستخبارات ومراكز البحوث السياسية: هل انتقلت إيران فعلياً من مرحلة “العتبة النووية” إلى مرحلة “الردع النووي المكتمل” معتمدة سياسة الغموض الاستراتيجي.
من جهة ثانية، وبعد بيان الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأخير الذي يدين إيران ويوجه لها انتقادات حادة، يصدر بيان صيني-روسي-إيراني مشترك ينتقد وكالة الطاقة الذرية، ويحمل أمريكا مسؤولية الحرب وتدهور الأوضاع وإغلاق مضيق هرمز.
ومن جهة ثالثة، تستولي إيران على غواصة أمريكية مسيّرة سالمة، وتعتبرها غنائم حرب بكل ما فيها من تكنولوجيا أمريكية حديثة.
وهناك مجموعة أخرى من التطورات، إذا ما وضعناها كُلها مع بعضها البعض تتكون لنا صورة رمادية مليئة بالنقاط العمياء الصعبة على التحليل الموضوعي…
فهل العناد الإيراني في وجه أمريكا، وارتفاع حدة التصريحات ونبرتها ومسائل أخرى، يعود إلى أن إيران بالفعل تمكنت -بمساعدة الصين أو كوريا الشمالية أو ربما روسيا أو طرف آخر- من صناعة سلاح نووي أخيراً، وأنها تتعامل مع الموضوع بسياسة الغموض الاستراتيجي كما تفعل إسرائيل؟ أم أن إيران تمارس سياسة حافة الهاوية لرفع السقف التفاوضي فقط؟
أم أن التسريبات والتحليلات حول الموضوع مجرد فقاعات إعلامية واستخبارية تُرْمَى في الإعلام إما للتضليل الإعلامي أو كبالونات اختبار أو بروباغندا مدروسة؟
إن الجزم حول الموضوع والإجابة بـ “لا” أو “نعم” مخاطرة غير محسوبة لأي مهتم بالشأن العام، لكن يبقى المجال مفتوحاً للتأويلات والتخمينات…
الشيء المؤكد أن كِلاً من أمريكا وإيران لديهما أوراق لا يعرفها كل طرف عن الآخر، وهذا ما يعقد المفاوضات، ويُدخل واشنطن في حسابات التكلفة والدفع بالبدائل؛ مما يمنع أمريكا من القيام بضربات قوية ضد إيران، كاستهداف العاصمة أو محطات الطاقة والمياه الكبرى.
دول المنطقة كلها، بالإضافة إلى دول المجال الحيوي للمنطقة الملتهبة، تعبت كُلُّها من حالة “لا سلم ولا حرب”. ودول الخليج العربي قد تتموضع في مكان آخر لا يعجب أمريكا؛ لأن النفط والثروة من جهة والحرب من جهة أخرى لا يجتمعان.
ترامب أخيراً قال ما قلناه قبله بأشهر: إنه ينتظر الانتخابات النصفية ليرى -إذا ما انجلى الغبار- أفرسٌ تحته أم حمار!