مؤامرة كبرى على السعودية…السعودية محاصرة بالحلفاء قبل الخصوم
حين تخفت أضواء الدبلوماسية وتُسحب الخناجر من أغماد الحلفاء قبل الخصوم، لا تعود قواعد اللعبة كما كانت! نحن لا نتحدث عن مجرد مناورة سياسية، بل عن زلزال جيوسياسي يضرب أركان المنطقة، ويضع الجميع أمام خيارين لا ثالث لهما: إما إعادة رسم الخريطة، أو السقوط في الفراغ.
هل السعودية هي من حاولت إسقاط طائرة إيرانية، ثم قصفت مطار صنعاء حتى لا تهبط الطائرة فيه؟ وهل السعودية هي من قضى على مجلس وزراء الحوثيين في صنعاء؟ وما مصلحة السعودية في عودة تبادل القصف مع الحوثيين؟
كان هناك هدنة غير رسمية وغير معلنة بين السعودية والحوثيين، وكان الجانبان يحترمانها، وفجأة اشتعل فتيل الحرب من جديد.
هل ترغب السعودية في دخول الحرب مع الحوثيين من جديد؟
أسئلة كثيرة تتبادر إلى الذهن.
حينما عادت الحرب، وبغض النظر عن الدوافع والأسباب، لماذا لم تقم الولايات المتحدة بالتدخل لمساعدة السعودية؟ ولماذا التصريحات العلنية للرئيس الأمريكي بأن الحوثيين لن يشكلوا تهديدًا للملاحة في البحر الأحمر، وكأنه يعطيهم الإذن بأن يقوموا بما يريدون؟
ثم… لماذا لم يتحرك حلف مكة الجديد؟
الحلف الذي لم يجف الحبر على الورق الذي كُتب عليه، أحد أقطابه يتعرض للقصف، ولكن الحلف لا يتحرك ولا يقوم بأي خطوة نحو نصرة السعودية.
السعودية تتعرض لمؤامرة كبيرة جدًا، ومن يتآمرون عليها هم بعض أقرب حلفائها إليها. هذه ليست تخيلات، بل نتيجة تكاد تصل إلى حد الخبر حينما نحلل الوقائع التي حصلت في الأشهر الأخيرة، وعلى وجه الخصوص الأسابيع الأخيرة.
الولايات المتحدة الأمريكية ترفض المشاركة في الحرب ضد الحوثيين.
إسرائيل ودولة عربية تتقاسمان مناطق النفوذ في الصومال والقرن الإفريقي.
إسرائيل تتمركز في أرض الصومال، أو صوماليلاند. ظننا أن الأمر ربما يكون ضد الحوثيين، لكن يبدو أنه ضد السعودية.
مصر تشيح بوجهها عما يحصل في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، رغم أن إغلاقه سيغلق قناة السويس.
الإمارات تدين هجمات الحوثيين على السعودية ببرود، ولا تشارك في صد الهجمات، رغم أنها الطرف الأهم في التحالف.
ماذا تريد أمريكا من السعودية؟
بعد أن تيقن الرئيس الأمريكي أن تحقيق نصر حاسم على إيران يمكنه من رفع رايات النصر وبيعه للأمريكيين، وبعد تدهور الأمور بينه وبين نتنياهو، بعد تكشف كذب المعلومات التي زود بها الموساد الإدارة الأمريكية حول هشاشة الداخل الإيراني وإمكانية إسقاط النظام خلال أربعة أيام حسمًا، يبحث الرئيس الأمريكي وإدارته عن أي إنجاز، مهما كان، ليصورا للأمريكيين أنهم حققوا إنجازًا ونصرًا كبيرًا.
الرئيس الأمريكي ونتنياهو، بالطبع، يريدان من المملكة العربية السعودية، وعلى جناح السرعة، أن توافق على إعلان اعتراف بإسرائيل والدخول في الاتفاقات الإبراهيمية والبدء بعملية تطبيع علنية وشاملة.
السعودية رفضت الطلب جملةً وتفصيلًا، كما تقول التسريبات، لأن الوقت غير مناسب أولًا، ولأنها لا يمكن أن تقوم بذلك مجانًا.
السعودية تريد بالمقابل قبول إسرائيل العلني بقيام دولة فلسطينية في الضفة وغزة، ذات سيادة وعاصمتها القدس، أي تفعيل المبادرة السعودية القديمة. إلا أن إسرائيل ترفض رفضًا قاطعًا الطلب السعودي.
وقد أثار الموقف السعودي الأمريكيين والإسرائيليين، ووضعوا خطة شديدة التعقيد لتصعيب الأمور على محمد بن سلمان.
طيب…
السعوديون غير قادرين على تصديق الموقف، وينظرون حولهم. أدرك السعوديون، بصمت عميق، وهم يرون أن من كانوا يظنونهم حلفاء مقربين ليسوا في وارد دعم المواقف السعودية، ولا تقوية موقف السعودية تجاه ترامب وتجاه اليمن.
الزيارة الأخيرة للأمير محمد بن سلمان كان من الملاحظ فيها، من خلال لغة الجسد، أن الأمير لم يكن مرتاحًا للمحادثات التي أجراها مع الرئيس المصري.
والإمارات تتخلى عن أي دور في دعم السعودية بعد الخلاف الذي حصل بينهما، بعدما أوقفت السعودية الإمارات عن استكمال مشروعها في اليمن، وبالتالي لا مصر ولا الإمارات…
ليس هذا وحسب.
السعوديون أدركوا تمامًا أن حسن النوايا في السياسة ليس موجودًا في المنهاج، وأن المسألة أكبر من أن يتم القفز عنها بحديث مجاملات.
وكنت قد قلت قبل أسبوعين، في أحد المقالات، إن السعودية تفكر، وقد تقوم باستدارة كبيرة في مواقفها، رغم كل العلاقات التي تربطها بالولايات المتحدة الأمريكية، فالأمر لم يعد شيئًا عابرًا، بل أمرًا يصب في صميم الأمن الوطني والقومي السعودي، ويقترب من انتهاك المجال الحيوي السعودي القريب.
هل يمكن أن نرى انقلابًا سياسيًا كبيرًا في المواقف؟
هذا وارد، والسعودية بيدها أوراق كثيرة إذا ما أرادت استخدامها. الأمر لا يحتاج إلا إلى قرار سياسي وإرادة للتغيير.
كثيرون يقولون إن ذلك غير ممكن، غير أن لي رأيًا آخر في الموضوع.
فمحمد بن سلمان أمير شاب، وبالتالي له طموحات كبيرة في مجال القيادة والسياسة، وما أقدم عليه في بدايات توليه زمام الأمور في السعودية يدل على أنه قادر على ركوب المخاطر التي قد تكون أثمانها كبيرة جدًا.
وبالتالي، إذا ما شعر أن المؤامرة ضده قد باتت أكيدة ولا تراجع عنها، حينئذ قد يقوم باستدارة كبيرة جدًا.
مثل ماذا؟
مثل أن يعلن عن مبادرة سلمية مع إيران بوساطة تركية وباكستانية، وبدعم منهما، وربما بمباحثات سياسية علنية مباشرة مع إيران.
إذا ما حصل هذا التوقع، فإن الموقف الأمريكي سيترهل إلى حد السقوط، وسيتغير الوضع بصورة دراماتيكية.
إذا ما حصلت لقاءات علنية بين السعودية وإيران، فإن ذلك يعني:
توقف حرب اليمن وإنهاء الحرب مع الحوثيين، وربما احتواءهم وحل الحكومة القديمة.
إنهاء القطيعة مع إيران وبدء مرحلة من الهدوء، وربما التعاون في إدارة منطقة الخليج بعيدًا عن الأحلاف مع الخارج.
حل المشكلة اللبنانية من خلال تركيا، التي لها مصلحة في تقوية الموقف السوري واللبناني، وقد صرح بذلك علنًا الرئيس التركي.
كثيرون قد يظنون أن هذا السيناريو قريب من الخيال أو الاستحالة، غير أننا أمام أحداث تتشكل، وفي اللحظات المفصلية قد يقلب الدول والزعماء كل المفاهيم السائدة، وقد رأينا ذلك في أماكن كثيرة، خاصة مع الصليبيين والمغول والفرنسيين والأمريكيين أنفسهم.
وهذا ما يجب أن يراه الرئيس الأمريكي ومن حوله.
لقد كان أوباما رئيسًا منطقيًا جدًا بالنسبة إلى الرئيس الحالي، وكان يعي وعورة المنطقة جغرافيًا وسياسيًا.
في النهاية، أستطيع أن أؤكد، دون أدلة، بل بقرائن كثيرة، أن السعودية تواجه واحدة من أشرس المؤامرات عليها لكن من يظن ” ومن يظنون كثر ” ان السعودية غير قادرة على تغيير ملامح المشهد فربما يكونون مخطئين
كيف ستتصرف القيادة السعودية؟ هذا ما سنراه في الأشهر القادمة أو الأسابيع القادمة.