لماذا طالت الحرب الأهلية في السودان؟

كيف لقوات الدعم السريع السودانية التي انبثقت عن ميليشيات الجنجويد التي أدرج قادتها على قائمة المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية بمن فيهم الرئيس السابق عمر البشير، الذي أنشأ القوات وسلطها على سكان دارفور تقتل وتنهب وتغتصب وتحرق القرى وتهجر الآلاف. تلك القوات كانت جزءا من القوات المسلحة وتحت الإشراف المباشر لجهاز المخابرات، لكنها ظلت تتمتع بشبه استقلالية تحت سيطرة قائدها مجرم الحرب محمد حمدان دقلو، المعروف باسم «حميدتي». عملت هذه القوات مع قيادة الجيش على وأد ثورة الجماهير السودانية في أبريل 2019 ثم ارتكبت مجرزة فض الاعتصام في 3 يونيو 2019 التي قتل فيها أكثر من 100 مدني.
بقيت الأمور تسير بشكل جيد بين الجيش وقوات الدعم السريع إذ أن هناك عدوا مشتركا بين الطرفين وهو المكون المدني في أي سلطة انتقالية. وعندما تم توقيع الاتفاق الشامل في ديسمبر 2022، الذي وضع خريطة طريق للدخول نحو المرحلة الانتقالية التي ستوصل البلاد إلى بر الأمان، وانتخاب قيادات مدنية وإعادة الجيش إلى ثكناته العسكرية، قامت قوات الدعم السريع بالانقلاب على الجيش وأعلنت التمرد في شهر أبريل 2023 على القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان، في منطقة الخرطوم.

الغريب أن اللجنة الرباعية المعنية بالنزاع في السودان، تكاد تسحب يدها من شؤونه. فلا الاتحاد الافريقي ولا الاتحاد الأوروبي ولا الجامعة العربية ولا مجموعة إيغاد معنية، أو مهتمة بالبحث عن حل للنزاع

منذ ذلك الوقت والسودان يعيش مآسي إنسانية وسياسية واقتصادية. وبدل أن يتم وأد التمرد بسرعة، توسعت رقعة المواجهات وتمددت قوات الدعم السريع لتحتل شمال دارفور وتدخل مدينة الفاشر في أكتوبر 2025 وترتكب مجازر واسعة ترقى إلى جريمة الإبادة الجماعية.
السودان يمر الآن في وضع صعب بشكل لا مثيل له، فقد قتل أكثر من 59000 مواطن سوداني وفرّ أكثر من 14 مليون شخص من ديارهم، وعبر أكثر من 4 ملايين الحدود إلى الدول المجاورة. ويحتاج أكثر من 30 مليون شخص لدعم إنساني، ويعاني نحو 25 مليون شخص من جوع وجوع حاد. وقد تفاقم الوضع الإنساني مؤخرا في منطقة شمال كردفان وخاصة منطقة الأبيض حيث يواجه 400 ألف مواطن نقصا حادا في الغذاء.
الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع
والسؤال الذي يجب أن يطرح كيف لمثل هذه الحرب أن تستمر كل هذا الوقت؟ من الذي يمول ويدرب ويسلح هذه القوات وكيف لقوات من المفروض أن تكون بدائية، تمتلك ترسانة متطورة من الصواريخ والطائرات المسيرة، والمدرعات وناقلات الجنود وأعداد كبيرة من المرتزقة؟ أشارت عدة جهات لدور أساسي لدولة الإمارات. يقول عمر شاكر، المدير التنفيذي لمنظمة «DAWN» (الديمقراطية في العالم العربي الآن): إن هناك عدة دول تقدم الدعم لقوات الدعم السريع. وقد توصلت بعثةٌ أممية لتقصي الحقائق إلى أن الميليشيا ارتكبت أعمال إبادة جماعية. ولا يمكن لأي إطار قانوني، سواء كان دوليا أو محليا، أن يبرر استمرار عمليات نقل الأسلحة إلى الإمارات.
وقد كشف تقرير خبراء الأمم المتحدة الذي نشرته صحيفة «الغارديان» في 15 أبريل 2025، عن عدة رحلات جوية تنطلق من قواعد عسكرية في تشاد، استخدمت فيها طائرات نقل تجارية ثم نُقلت حمولتها برّا إلى داخل السودان. ويتكوّن التقرير من 14 صفحة، أُرسل إلى لجنة عقوبات السودان التابعة لمجلس الأمن الدولي. وقد أعد التقرير فريق من خمسة خبراء تابعين للأمم المتحدة، وثّـقوا فيه نمطا ثابتا من الرحلات الجوية التجارية باستخدام طائرات إليوشن إل-76 تي دي في 24 رحلة وصلت مطار تشاد المخصص لدعم ميليشيا قوات الدعم السريع. وحدد الخبراء ثلاثة طرق برّية على الأقل يُحتمل استخدامها لتهريب الأسلحة إلى السودان. وأشار الخبراء إلى أن هذه الرحلات تزامنت مع تصعيد القتال في الفاشر، لا سيّما زيادة نشاط الطائرات المسيّرة التي تستخدمها قوات الدعم السريع في العمليات القتالية والاستخباراتية. واعتبر الخبراء أن وصول الطائرات من دون طيار إلى السودان يمثل مرحلة تكنولوجية جديدة في إدارة النزاع المسلح.
وتشير هذه التقارير إلى أن الجنرال الليبي خليفة حفتر الذي يرأس «الجيش العربي الليبي» يقوم بتزويد قوات الدعم السريع باحتياجاتها من النفط. كما فتح للميليشيا السودانية معسكرات تدريب وتجنيد للمرتزقة. وكشفت مصادر سودانية ومصرية وليبية وكذلك تحقيق مشترك أجرته مؤسسات (لايتهاوس ريبورتس) و(إفيدنت) و(سودان وور مونيتور) أن مقاتلين من قوات الدعم السريع يتلقون تدريبات على استخدام أسلحة في معسكرات عسكرية منتشرة في أنحاء ليبيا التي تقع تحت سيطرة حفتر. وذكر منشقون عن قوات الدعم السريع ومصادر من «الجيش الليبي» أن المعسكرات الخمسة التي حددها المحققون استُخدمت أيضا لتقديم دعم لوجستي للقوات شبه العسكرية السودانية، شمل الوقود وشاحنات صغيرة. كما يكشف تقرير لوكالة رويترز نشر بتاريخ 10 فبراير 2026 عن دور لإثيوبيا في دعم المليشيات التابعة لحميدتي. فقد ذكر التقرير أن هناك معسكرات تشرف عليها أديس أبابا تقوم بتقديم المساعدات اللوجستية لقوات الدعم السريع، بالإضافة إلى التدريب. وهذا يشير إلى أن هناك تحولا في الدور الإثيوبي من الوساطة والدبلوماسية إلى الانخراط في دعم الميليشيات المنشقة عن الجيش السوداني. هذا التطور، حسب التقرير، يشير إلى أن إثيوبيا تريد أن تفتح طرق إمدادات جديدة بعد تضييق الخناق على طرق الإمدادات التقليدية من تشاد وليبيا، وهذا التطور ينذر بإطالة أمد الحرب وفتح جبهة جديدة وخاصة في مواجهات كردفان. هذا التطور يشير الدعم الذي تقدمه عدة دول لميليشيات «حميدتي» التي ترتكب إبادة جماعية حسب تقرير مجلس حقوق الإنسان الصادر بتاريخ 19 فبراير 2026.
الغريب أن اللجنة الرباعية المعنية بالنزاع في السودان، تكاد تسحب يدها من شؤون السودان. فلا الاتحاد الافريقي ولا الاتحاد الأوروبي ولا الجامعة العربية ولا مجموعة إيغاد معنية، أو مهتمة بالبحث عن حل للنزاع. فهل يترك السودان ليشهد مزيدا من التصدع والانقسامات؟

عبد الحميد صيام

Related posts

في دفتر أحوال أمتنا: لماذا تحترق الخريطة ولا تكتمل الدولة؟

ماذا نريد؟

شرقٌ لا شرقَ بعده