صناعة “التطرف” وهندسة التفتيت: كيف يُدار الشرق

الأوسط؟يُستغل مصطلح “التطرف” في الخطاب السياسي والسائد كذريعة جاهزة وسلاح مُصلت على رقاب كل شخص، أو تنظيم، أو دولة لا تتوافق أهدافها أو فهمها للأحداث السياسية الدائرة في المنطقة العربية والإسلامية مع أجندات القوى الكبرى. لقد أُعيد تعريف هذا المفهوم ليكون عقبة أمام أي مشروع يرفض الهيمنة الإمبريالية، التي عملت على تقسيم العالم العربي وطمس هويته القومية والفكرية.لقد غدا هذا المصطلح أداةً لوصم كل من يعارض النهج السياسي للدول التي تدور في الفلك الغربي. ومنذ مطلع القرن الماضي—عقب انهيار الدولة العثمانية، وتقسيمات سايكس بيكو، ومروراً بـ وعد بلفور ونكبة فلسطين وتأسيس الكيان الصهيوني—بات جلياً أن أياً من الدول العربية لم تكن تملك قرارها السياسي المستقل؛ إذ أُسست النظم السياسية بعيد الحربين العالميتين وفق ترتيبات مع الغرب، وبلا إمكانات حقيقية للعب دور فاعل في رسم مصير المنطقة.ربما تكون تلك الحقبة التاريخية هي الحاضنة الفكرية والسياسية الأولى التي دفعت بمفهوم “التطرف” إلى الظهور بلبوس سياسي صريح.سيكولوجية الإهانة والجذور التاريخيةإن السؤال الجوهري الذي تتحاشى الأنظمة الإقليمية والدولية مناقشته أو طرحه هو: إذا كان هناك متطرفون، فمن الذي دفعهم نحو التطرف؟ وما هي القوى والدوافع التي أغرقت المنطقة به ثم بدأت تشكو منه؟في كتابه الشهير “جيوسياسة العاطفة” (La Géopolitique de l’émotion)، يتحدث المفكر الفرنسي دومينيك مويزي (Dominique Moïsi) عن ثلاث عواطف رئيسية تُشكّل ملامح عالمنا المعاصر بخصائصه الجيو-إستراتيجية:ثقافة الخوفثقافة الأملثقافة الشعور بالإهانة والغبنويُصنّف مويزي العالم العربي والإسلامي ضمن الثقافة الأخيرة؛ أي الثقافة التي تقوم على تجرّع الإحساس بالغبن والمذلة.ويصحّ كلام “مويزي” من وجوه عدة؛ فقد تجرّع العالم العربي والإسلامي على امتداد القرن العشرين إحساساً متراكماً بالضعف والهوان، وظل يصدر عن هذا الشعور في بناء ثقافته وتفاعله مع العالم. ولعل هذا العاطفة المكبوتة هي العامل الأكبر—وربما الوحيد—الذي أنتج واقعنا المعاش اليوم.التخطيط الأكاديمي وصناعة الفوضى: خلف أستار الاستخباراتلم يكن هذا الواقع وليد المصادفة؛ فقد عملت المجمعات الاستخبارية العالمية على مدى عقود طويلة لإنتاج منظومة محكمة لتدمير الشرق العربي، الغني بالممرات المائية الحيوية، الثري بالنفط والغاز والمعادن، والمحمَّل بذاكرة فكرية وتراثية متجذرة في عقول أبنائه.يقف على رأس هذه المنظومة مجمع “العيون الخمس” (Five Eyes)—وهو أكبر شبكة دولية لتبادل المعلومات الاستخباراتية في العالم، تضم كلاً من: (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، كندا، أستراليا، ونيوزيلندا). وهو المجمع الاستخباري الذي “لا تغيب عنه الشمس”، إذ يعمل بهدوء منقطع النظير، بعيداً عن أضواء الكاميرات والتصريحات، لمراقبة المناطق الأكثر حساسية في العالم، وفي مقدمتها المنطقة العربية وإيران.إن معظم التحليلات السطحية التي نتداولها هي في الحقيقة مخرجات موجّهة تُغذّيها أجهزة كـ $CIA$ و $MI6$ ومجمعات استخبارية أخرى. فلا ينبغي لغالبية الناس أن تصدق أن ما يجري من أحداث كبرى—منذ حرب الخليج الأولى والثانية، وحروب أفغانستان واليمن، إلى الحروب العربية-العربية، والعدوان المستمر على لبنان وغزة—هو مجرد نتاج لغباء سياسي لزعيم ما، أو حماقة رئيس، أو خيانة شخص بعينه.إنه عمل أكاديمي وفني منظم، يقوم عليه خبراء يدرسون ويحللون على مدار الساعة، ويجندون الطاقات، ثم يُقدّمون مواد صُمّمت بعناية للعامة ليتناحروا فيما بينهم. إن الصراعات الطائفية بين السنة والشيعة، والنزاعات القومية بين العرب والأكراد والأتراك، ومنظومة التخوين والتراشق بالشتائم، ليست إلا سيناريوهات مدروسة بعناية فائقة، يقع فيها الناس عن جهل وحسن نية في آن واحد.الخروج من المأزق: نحو مشروع نهضوي شاملهل هذه المجمعات الاستخبارية قوة لا تُقهر أو قَدَر محتوم؟بالتأكيد لا.لكن الخروج من هذا المأزق الكبير يتطلب منا مواجهة المخطط بنفس أدواته وأسلوبه:العمل الأكاديمي والتنظيمي الهادئ: استجماع القوى الفاعلة عبر وسائط سلمية وعلمية لإنتاج مشروع نهضوي عربي.تجاوز خطابات اللوم والتخوين: كلما حان وقت العمل، يخرج العشرات لتنفيذ مخطط الأعداء عبر اختزال القضايا في شتم الأنظمة وتخوين الزعماء، وهي ردود أفعال عاطفية لا تقدم أي قيمة إصلاحية.التحرر من الوعي الزائف على منصات التواصل: نحن أسارى لمخططات “العيون الخمس” لأننا أمة أوقفت القراءة، ولم تعد تجيد سوى تبادل الاتهامات، والتخندق الأعمى، والانسياق وراء “فقهاء اللوم” والصرخات الفارغة.خاتمةنحن اليوم في بأمسّ الحاجة إلى مثقفي الأمة وعقلائها ليتحملوا مسؤولياتهم التاريخية، ويصيغوا مشروعاً جاداً يوجه الأمة نحو الخلاص، بعيداً عن التخندق المذهبي أو السياسات الضيقة. إن استرداد القرار يبدأ من استرداد الوعي.وَلِلْحَدِيثِ بَقِيَّةٌ…

Related posts

أعيذكَ أن يعاصيكَ القصيدُ

المشروع العربي

مشروع عربي لا بد منه؟