في دفتر أحوال أمتنا: لماذا تحترق الخريطة ولا تكتمل الدولة؟

 

بقلم / الفجر العربي

حين نجلس لنقرأ دفتر أحوال هذه الأمة، ونطالع خرائطها الممتدة من الماء إلى الماء، نكتشف أننا لسنا مجرد أمام أزمات سياسية عابرة أو نزاعات حدودية طارئة، بل نحن أمام ظاهرة تاريخية استثنائية تستدعي التفكيك والاستقراء العميق.

إن التنسيق الجيوسياسي الذي يلف المنطقة من غزة إلى جنوب لبنان، ومن السودان إلى اليمن، ينبئ بوضوح أن الإقليم يعيش حالة من “الحرب الممتدة” التي تجعل الاستقرار فيه استثناءً، والخراب هو القاعدة.

أولاً: كوكب مدجج بالسلاح.. وإقليم محكوم بالاشتغال

إذا أردنا قراءة المشهد الإقليمي بغير رتوش، فلا بد أن نضعه في سياقه الدولي الشامل؛ فالعالم اليوم يعيد تنظيم نفسه على صفيح ساخن:

سباق التسلح الهستيري: تتجاوز مبيعات الأسلحة عالمياً حاجز الـ 700 مليار دولار سنوياً، في بيئة تصنع سنوياً أكثر من 20 مليون طائرة مسيرة حربية، وتكتظ سماؤها بأكثر من 500 قمر صناعي مخصص للأغراض العسكرية.

البنية العسكرية الممتدة: أكثر من 6000 مطار عسكري تنتشر حول الكرة الأرضية، تملك الولايات المتحدة وحدها نحو 900 منها.

في التقدير الاستراتيجي: إن هذا التجييش العالمي لا يقع في الفراغ؛ بل يجد في الشرق الأوسط ميداناً مفتوحاً لتصريف أزمات القوى الكبرى وتجريب أدوات الصراع الوجودي.

ثانياً: حساب الـ 110 أعوام.. من الرصاصة الأولى إلى الحريق المستمر

إذا عدنا بصفحات التاريخ إلى الوراء، وتحديداً منذ أن أُطلقت الرصاصة الأولى للثورة العربية الكبرى عام 1916 من مكة المكرمة، وسعينا لحساب الحصيلة عبر 110 أعوام، سنصل إلى رقم يستدعي الذهول: أكثر من 37 معركة وحرباً كبرى شهدتها أراضينا؛ بمعدل حرب كل ثلاثة أعوام تقريبا.

تتنوع هذه الحروب بين مواجهات ضد المحتل الغاصب، ونزاعات أهلية على كراسي السلطة، واقتتال داخلي يمزق النسيج الاجتماعي.

والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا: لماذا نجحت شعوب أقصى الشرق في كمبوديا وفيتنام وإندونيسيا في طي صفحات العقود المظلمة والانتقال إلى بناء السلام والاستقرار، بينما نطل نحن في الإقليم العربي من جحيم لنلج في جحيم آخر؟

ثالثاً: وهم “المؤامرة” وأزمة “الدولة الوطنية”

1916 (الرصاصة الأولى) ───────────────────────────────────► 2026 (الواقع الراهن)
[ 110 أعوام = 37 حرباً كبرى ]

لا أحد يستطيع أن ينكر وجود المخططات الخارجية، أو ينفي أن القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة تحرص على إبقاء الكيان الصهيوني قادراً على تفكيك عناصر القوة العربية. ولكن السؤال الذي يغفله الكثيرون: لماذا تنجح المؤامرة دائماً في أراضينا بينما تتكسر على أعتاب أمم أخرى؟

إن الإجابة تكمن في طبيعة البنية السياسية الداخلية للدول العربية:

غياب البيئة الديمقراطية الحقيقية: تم زرع إسرائيل في قلب منطقة محكومة بأنظمة أوتوقراطية فردية، مما أتاح للغزو الاستيطاني تقديم نفسه للغرب كـ”واحة ديمقراطية” بأسلوب غريب، بينما عُزلت الشعوب العربية عن المشاركة في القرار الوطني.

هشاشة التضامن الإقليمي: أصبحت أوراق “العمل العربي المشترك” في أروقة جامعة الدول العربية مجرد وثائق شكليّة تحيط بها علامات الاستفهام، بعدما تحولت الدولة الوطنية إلى الانكفاء على ذاتها والدفاع عن بتمسّك شكلي بالحدود والنشيد دون بناء قوة حقيقية.

رابعاً: الاستنزاف الداخلي وتهجير العقول

إن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في خطط الخصم، بل في كيفية إدارتنا لمجتمعاتنا:

نزيف الكفاءات: تزخر أمتنا بأعظم العقول والخبراء في كافة المجالات، لكن بناء البيئة السياسية على أساس “الولاء قبل الكفاءة” يدفع بهذه الطاقات إلى الرحيل أو التهميش.

تناقض السلوك السياسي: نرى أبناء الأمة يلتزمون بالقانون ويتحاورون برقّة ومدنيّة حين يتواجدون في البيئات الديمقراطية الغربية، بينما يسود “حوار الرصاص والسلاح” داخل أوطانهم بمجرد اختلاف الآراء والأفكار.

الختام: خريطة الطريق نحو المستقبل

إن الحروب لن تتوقف لمجرد أننا نكره الموت، والسلام لن يتنزل علينا كمكرمة من القوى الكبرى.

الخلاصة: إن الشروط الشارحة للخروج من هذه الحلقة المفرغة تفرض علينا مواجهة الذات بغير تزييف. إن الطريق الوحيد لدحر أي عدوان خارجي أو محتل يبدأ من الداخل؛ عبر تحرير إرادة الإنسان العربي، وبناء دولة المؤسسات والقانون، وتوزيع الثروة بالعدالة، وإعطاء القيادة للمفكرين والخبراء الحقيقيين.

حينها فقط.. سيتوقف كوكب الأرض عن الاهتزاز تحت أقدامنا، وننتقل من خندق الدفاع المستمر إلى رحاب النهضة والاستقرار.

Related posts

ماذا نريد؟

شرقٌ لا شرقَ بعده

العراق: الأوهام والسياق السياسي!