القرن الأفريقي على فوهة بركان: هل تقترب إثيوبيا من “الانفجار العظيم”؟

بينما تتجه بوصلة الاهتمام العالمي نحو ساحات الصراع في أوكرانيا والشرق الأوسط، تتشكل في ركنٍ قصيٍ من العالم عاصفةٌ من نوعٍ آخر. في قلب القرن الأفريقي، تقف إثيوبيا – القوة التي طالما اعتُبرت ركيزة الاستقرار الإقليمي – على حافة الهاوية. التحذيرات ليست مجرد تكهنات صحفية؛ بل هي تقارير من خبراء دوليين يراقبون المشهد عن كثب، مؤكدين أن ما قد تشهده إثيوبيا في الأيام المقبلة لن يكون مجرد نزاع حدودي أو صراع على السلطة، بل “حرباً كبرى” قد تعيد رسم خريطة المنطقة بالكامل.
المشهد قبل العاصفة: حين يُؤجل الموت لأجل “الوقود”

في فبراير 2026، كان التصعيد بين الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF) قد وصل إلى نقطة اللاعودة. بعد أشهر من الاتهامات المتبادلة بالانقلابات الداخلية، والضربات الجوية، والحشود العسكرية على الحدود، خيّم شبح الحرب الشاملة. لكن، وعلى نحوٍ غير متوقع، حدث ما لم يكن في الحسبان.

عندما اندلعت الأزمة الكبرى في مضيق هرمز، وتوقفت ناقلات النفط عن العبور، وجدت إثيوبيا نفسها أمام حقيقة مرة: هي دولة حبيسة لا تملك ترف استهلاك الوقود في معركة طويلة. لقد كان “النفط المكرر” هو القيد الذي أجبر طرفي الصراع على وضع أسلحتهم جانباً مؤقتاً. ولكن، مع المؤشرات الجارية التي توحي باقتراب إعادة فتح المضيق، بات من الواضح أن تأجيل الحرب لم يكن إلا “استراحة محارب” قبل جولةٍ أكثر ضراوة.
آبي أحمد.. طموح “الإمبراطور” في ثوب ديمقراطي

لا يمكن فهم المشهد دون النظر إلى الرجل الذي يقف في مركزه. آبي أحمد، الحائز يوماً على جائزة نوبل للسلام، لم يعد ذلك “المصلح” الذي استبشر به العالم خيراً. ففي يونيو الماضي، أجرى انتخابات وُصفت بأنها أشبه بـ”تتويج ملك” منها إلى اقتراع ديمقراطي. لقد أُقصي إقليم تيغراي بالكامل، وشُطبت الدوائر المعارضة، ليخرج آبي من هذا الاختبار وقد أطبق قبضته على مفاصل الدولة، محولاً معارضيه إلى نزلاء في السجون أو طرائد في المنافي.

لقد كان مقاله الأخير في “الجزيرة”، الذي كتبه بالاشتراك مع خصمه السابق “جيشاشيو ريدا”، محاولةً بائسة لإضفاء صبغة “الشرعية” على تحركاته العسكرية القادمة. فبينما يدعي المقال التحذير من الحرب، فإنه يضع التبريرات القانونية والأمنية لشن هجوم استباقي على تيغراي، مدعياً وجود تحالف خفي بين التيغراي وإريتريا. إنها استراتيجية كلاسيكية للأنظمة الشمولية: صناعة “خطر خارجي” لتبرير البطش الداخلي.
لعبة الأُمم: القرن الأفريقي كساحة لتصفية الحسابات

ما يجعل هذا الصراع مخيفاً حقاً هو تداخل الأجندات الدولية. إثيوبيا اليوم ليست مجرد فاعل إقليمي، بل هي جزء من تحالفات عالمية متصارعة. هناك “محور” يضم إثيوبيا، الإمارات، وإسرائيل، في مقابل تحالفٍ آخر يضم مصر، السعودية، وتركيا.

مصر، التي ترى في نفوذ إثيوبيا خطراً وجودياً على مياه النيل، تجد في إريتريا – عدو أديس أبابا التاريخي – حليفاً طبيعياً. والتركيبة هنا معقدة؛ فتركيا مثلاً تُزود الجيش الإثيوبي بالسلاح، وفي الوقت نفسه تُلمح بدعم أطراف أخرى. هذا التشابك يجعل من أي صراع في إثيوبيا “شرارة” قادرة على إحراق أطرافٍ إقليمية بعيدة، كما يصفه الخبراء: “إذا انفجر القرن الأفريقي، فلن يسلم منه أحد”.
مخاطر الانهيار الشامل: هل تغرق الدولة؟

على عكس الحرب السابقة، التي كانت نزاعاً “ثنائياً” بين المركز والتيغراي، يواجه آبي أحمد اليوم تمرداً وجودياً على عدة جبهات:

ميليشيات “فانو” في أمهرة: قوى عشوائية، مشتتة، لكنها تمتلك قدرة هائلة على زعزعة الاستقرار وتشتيت الجيش الفيدرالي.

جيش تحرير أورومو: الذي بدأ بتكثيف عملياته في الأسابيع الأخيرة.

إريتريا: التي يبدو أنها تخلت عن تحالفها السابق مع أديس أبابا، لتصبح الداعم الأكبر لتيغراي، مما يخلق توازناً عسكرياً مرعباً.

إن التشتت العسكري للجيش الإثيوبي بين “تيغراي” شمالاً و”أمهرة” و”أوروميا” جنوباً، قد يعني أن آبي أحمد بصدد دفع الدولة نحو “الانهيار الهيكلي”. إنها ليست حرباً عادية، بل حالة من التفكك الوطني التي قد تجعل البلاد غير قابلة للإدارة.
الخاتمة: هل يدرك اللاعبون حجم الكارثة؟

إن أخطر ما في هذه الأزمة هو “وهم السيطرة”. يعتقد كل طرف في الصراع – أديس أبابا، أسمرة، وتيغراي – أنه يمتلك “كتالوج” الحرب، وأن بإمكانه التحكم في مخرجاتها. لكن التاريخ يُعلمنا أن القرن الأفريقي لا يخضع لهذه الحسابات الضيقة. إنها منطقة صُممت جغرافياً وسياسياً لتكون “مصيدة صراعات”.

إذا لم يستيقظ هؤلاء القادة قبل إعادة فتح مضيق هرمز، فإنهم لن يسيروا نحو الحرب فحسب، بل سيندفعون نحو “انفجار” لا يمكن لأحدٍ التنبؤ بحجم الرماد الذي سيخلفه. إن الصمت الدولي الحالي ليس دليلاً على أن الوضع تحت السيطرة، بل هو مؤشر على أن العالم يراقب – بعجزٍ مخيف – انتحاراً جماعياً لدولةٍ كانت يوماً تسمى “مستقبل أفريقيا”.

Related posts

التصعيد الملاحي وتوازنات الطاقة: أبعاد الصراع الإقليمي في الممرات البحرية

السودان: عقود من الجمر.. قصة الحرب الأهلية الثانية التي أعادت رسم الخريطة

حقوق الإنسان في الفكر العربي