السودان: عقود من الجمر.. قصة الحرب الأهلية الثانية التي أعادت رسم الخريطة

 

لم تكن الحرب الأهلية السودانية الأولى -التي استعرت لنحو سبعة عشر عاماً- سوى فصلٍ في رواية طويلة من الصراع المكتوم. فبعد أحد عشر عاماً فقط من توقيع “اتفاقية أديس أبابا” عام 1972، تبخر ذلك السلام الهش تحت وطأة أزمات لم تجد لها طريقاً للحل، ليدخل السودان مجدداً في نفق الحرب الأهلية الثانية، وهي المواجهة التي لم تكن مجرد صراع مسلح، بل كانت مخاضاً عسيراً لمشروع وطني انهار تحت وطأة الانقسامات.
جذور الانفجار: حينما يصبح السلام مؤجلاً

منذ نيل الاستقلال عام 1956، اصطدمت الدولة السودانية الناشئة بواقع شديد التعقيد؛ انقسامات حادة على أسس إثنية ودينية وسياسية واقتصادية. ورغم انتهاء الحرب الأولى بوعود للحكم الذاتي في الجنوب، إلا أن تلك الوعود ظلت حبراً على ورق. تعمقت الفجوة مع تهميش الجنوب تنموياً، وتفاقمت الأمور مع اكتشاف النفط عام 1978، حيث احتدم الخلاف حول إدارة الموارد؛ إذ خشي الجنوبيون من تحويل عوائد “ذهبهم الأسود” لتمويل المركز في الشمال.

وفي الوقت الذي عاد فيه فلول متمردي “الأنيانيا” لحمل السلاح بدعم من نظام “الدرغ” الإثيوبي، جاء قرار الرئيس جعفر نميري عام 1983 بفرض الشريعة الإسلامية في كافة أرجاء البلاد -بما فيها الجنوب ذو الغالبية المسيحية والوثنية- وإلغاء اتفاقية الحكم الذاتي، ليكون بمثابة إعلان رسمي بنهاية التوافق الوطني وبدء عهد جديد من الاقتتال.
المسار العسكري: من “بور” إلى حصار المدن

في 16 مايو 1983، انطلقت الشرارة من حامية “بور” في أعالي النيل، لتمتد سريعاً نحو “بيبور” و”باشالا”. وبعد أشهر قليلة، أسس جون قرنق “الجيش الشعبي لتحرير السودان”، الذي نجح في تحويل تكتيكات الكر والفر إلى استراتيجية استنزاف شاملة، أجبرت القوات الحكومية على الانكفاء داخل المدن الكبرى كجوبا وملكال وواو. وبحلول عام 1986، كان نفوذ الحركة يمتد ليشمل مساحات شاسعة من ريف أعالي النيل بدعم إثيوبي ماركسي.

وعلى وقع الاحتجاجات الشعبية والأزمات الاقتصادية، سقط نظام نميري عام 1985، لكن الفترة الديمقراطية التي تلت ذلك لم تنجح في إنهاء الحرب؛ إذ واصلت حكومة الصادق المهدي الرهان على الحسم العسكري بدعم من العراق وليبيا. ومع وصول عمر البشير إلى السلطة عبر انقلاب عام 1989، كان “الجيش الشعبي” قد بسط سيطرته على مناطق واسعة في بحر الغزال والاستوائية، ووصل حتى حدود النيل الأزرق ودارفور، فارضاً حصاراً خانقاً على جوبا، وسط تدفق للسلاح عبر الحدود مع كينيا وأوغندا وإثيوبيا.
تصدعات الداخل: حين تحترق الأطراف بنيرانها

اتسمت الحرب بطبيعة شديدة التعقيد، حيث لجأت الخرطوم لسياسة “التفويض العسكري” لميليشيات جنوبية (مثل قبائل البقارة والرفاعة والرزيقات)، وهو ما تسبب في فظائع إنسانية وتشريد واسع للسكان في مناطق النفط.

وفي عام 1991، تعرض الجنوب لهزة عنيفة بفقدان حليفه الإثيوبي، تلاها انقسام داخلي عميق في “الجيش الشعبي”؛ إذ قاد رياك مشار (من قومية النوير) تمرداً ضد قيادة جون قرنق (من قومية الدينكا)، متهماً إياه بالدكتاتورية. تحول الانشقاق إلى صراع إثني دامٍ ومذابح مروعة مثل ما حدث في “بور”. ورغم تحالف “فصيل ناصر” بزعامة مشار مع الخرطوم، واستعادة الحكومة للمدن الكبرى، إلا أن الجيش الشعبي حافظ على قدراته العملياتية، وظل قادراً على توجيه ضربات موجعة.
التدويل والمواجهة الاستراتيجية في التسعينيات

شهد منتصف التسعينيات تحالفات غير متوقعة، حيث شكل “الجيش الشعبي” ائتلافاً مع “التجمع الوطني الديمقراطي” المعارض في الشمال. وفي عام 1997، أطلق قرنق عمليات استراتيجية مثل “عملية الرعد”، محققاً مكاسب عسكرية في “كايا” و”ييه”، بل وامتد الهجوم نحو “الدمازين”، مما هدد شريان الطاقة والمياه للخرطوم، وأشعر الشمال بأن الحرب لم تعد “مشكلة جنوبية” فحسب، بل تهديداً وجودياً للاستقرار في المركز.

وبحلول الألفية الجديدة، ومع تعاظم الإيرادات النفطية، اشترت الخرطوم أسلحة روسية متطورة، وحاولت استعادة حقول النفط في “بنتيو” و”تار جات”. وعلى التوازي، كانت الضغوط الدولية تتصاعد، لا سيما مع تغير الموقف الأمريكي بعد أحداث 11 سبتمبر، حيث سعى البشير للتقارب مع واشنطن، مما فتح الباب لمفاوضات “إيغاد” بوساطة كينيا وضغوط من إدارة جورج بوش.
المأساة الإنسانية: دارفور وما وراء العناوين

لم تكن الحرب مجرد قتال بين شمال وجنوب، بل كانت مسرحاً لتداخلات فوضوية. وبرزت مأساة “إبادة دارفور” عام 2003 كواحدة من أسوأ الفصول، حيث أدت الصراعات بين المكونات الرعوية والزراعية، بدعم حكومي لميليشيات “الجنجويد”، إلى مقتل المئات الآلاف وتشريد الملايين، في جريمة صنفت دولياً كإبادة جماعية.
اتفاقية السلام: هل أغلقت ملف الحرب؟

بعد نحو أربعة عقود من الصراع الدامي الذي أهدر الموارد وأزهق ملايين الأرواح، أدرك الطرفان استحالة الحسم العسكري. وفي 9 يناير 2005، وُقّعت “اتفاقية السلام الشامل” في نيروبي، التي أقرت حكماً ذاتياً للجنوب، وتقاسماً لعوائد النفط، واستفتاءً على المصير. ورغم أن الاستفتاء أفضى عام 2011 إلى ولادة دولة جنوب السودان المستقلة، إلا أن السلام لم يحل ضيفاً دائماً على تلك الربوع.

تظل هذه الحرب شاهداً حياً على إرث طويل من الفشل السياسي، حيث تكررت الأزمات والحروب لتثبت أن التقسيم لم يكن إلا حلاً جغرافياً، بينما ظلت المعضلات السياسية والاجتماعية التي فجرت الحرب الأولى والثانية قائمة، بانتظار فصول أخرى سنكشف عن تفاصيلها في تقاريرنا القادمة.

شكراً لمتابعتكم لهذا التقرير الوثائقي. لا تنسوا الاشتراك في القناة وتفعيل زر التنبيهات لمتابعة سلسلتنا حول تاريخ السودان المعاصر. بإمكانكم الانضمام لعضويتنا الحصرية للوصول إلى مئات الفيديوهات والتحليلات الخاصة. كنا معكم من “Kings and Generals”، وإلى اللقاء في التقرير القادم.

Related posts

التصعيد الملاحي وتوازنات الطاقة: أبعاد الصراع الإقليمي في الممرات البحرية

حقوق الإنسان في الفكر العربي

القرن الأفريقي على فوهة بركان: هل تقترب إثيوبيا من “الانفجار العظيم”؟