في ضرورة النهضة

 

قد تُصاب أمةٌ في لحظةٍ من تاريخها بالكَبْو، فتنتكس حركةُ التراكم والتقدم فيها وربّما تنقلب على الأعقاب، فَتَذْوِي فيها روحُ الإبداع وتسقُط حركتُها في الاجترار، بعد إذْ كانت في قلب صنّاع الحضارة والمدنية والتاريخ. ذلك ما حصل للأمة العربية ومشروعها الإسلامي في تواريخ مختلفة من العصر الوسيط: انقسام الدولة إلى أربعة مراكز (خلافة عباسية في العراق، خلافة فاطمية في مصر، خلافة أموية في الأندلس، خلافة مرابطية في المغرب)، سقوط الخلافة في بغداد، سقوط الأندلس، سيطرة العثمانيين على العالم العربي الوسيط. وقد تُزْمِن لحظةُ الكبو والانتكاس طويلاً فتستغرق عشراتٍ من أجيالها تتباعد الصلةُ بينهم وبين معطيات الحضارة التي تنتسب إليها، فلا تكاد تَعْرِفُ عنها إلاّ اليسير. وذلك أيضاً ما حصل للعرب الذين امتدَّ بهم زمنُ الانحطاط طويلاً إلى حدود القرن التاسع عشر.

لكن الفكرة العليا التي صنعتِ الأمةَ وصنعت لها حضارةً وسلطاناً في التاريخ تظل – مع ذلك كلّه – حيّةً في أذهان قسمٍ ولو قليل من أبنائها، فتدفعه إلى استدعائها باستمرارٍ وإلى الحنين إلى ثمراتها. ثم تدفعه إلى التوسُّل بها مادةً يبني عليها وبها طموحاً أو مشروعاً للنهوض من جديد من أجل اللَّحاق بغيره ممّن اقتحم آفاق التاريخ وذهب بعيداً في خيار التقدم والبناء الحضاري. وتلك كانت سيرة جيلين من النهضويين العرب في القرن التاسع عشر: من رجال الدولة (منذ محمد علي) ومن المفكرين (منذ رفاعة رافع الطهطاوي)، بَدَتْ لهم أوضاعُ التأخر التاريخي العربي وتحدي المدنية الأوروبية الزاحفة في ركاب الاستعمار بيئةً لإثارة سؤال النهضة في وعيهم. وهو عين ما عبّر مشروعُهم الفكري الإصلاحي والتحديثي عنه بجلاء. ثم ما لبث الطموح النهضوي أن أطلَّ مجدَّداً – بعد عثرةٍ في النصف الأول من القرن العشرين – من أرض الكنانة، حين أعلنت ثورة تموز/يوليو1952 مبادءَها الستة، واشتبكت مع الأحلاف الأجنبية و”إسرائيل”، وأطلقت مشروعها التنموي في الداخل، ومشروعها القومي الوحدوي في المحيط العربي، قبل أن تنال منه معطيات حقبة ما بعد حرب العام 1967.

ونحن اليوم، بعد الضربة الموجعة التي أصابت المشروع النهضوي العربي منذ 1967، وبعد احتلال العراق في2003، نجد أنفسنا أمام الأوضاع ذاتها التي عاشتها الأمة غداة الاحتلال الاستعماري لأوطاننا في القرن التاسع عشر وبعد الحرب العالمية الأولى. وإذا كان زحف جيوش نابليون على مصر، واحتلال المشرق العربي وتجزئته، وقيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، قد أطلق ثلاثة ردود فكرية وسياسية نهضوية بحجم تلك الأحداث/المنعطفات هي: المشروع الإصلاحي النهضوي في القرن التاسع عشر، والفكر القومي المعاصر بين الثلاثينيات والخمسينيات من القرن الماضي، ثم المشروع القومي الناصري في النصف الثاني من القرن نفسه، فإن لحظة التراجع العربي العام، التي بلغت ذروتها منذ احتلال العراق، ستكون البيئة الموضوعية الطبيعية لمعاودة التطلع إلى الردّ عليها بمشروع نهضوي تستأنف به الأمة مسيرتها نحو الانتماء إلى حركة التاريخ. مشروعٌ تبني فيه على ما سبق من مكتسبات المراحل السابقة، وتضيف إليه أجوبةً تاريخية عن المعضلات الجديدة التي طرحها التطور المعاصر وتحوّلاته الدراماتيكية في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي وسنوات العقد الأول من هذا القرن.

 

أولاً: تراجعٌ عربيّ يدعو إلى استنهاض

دخل الوطن العربي، في العقود الثلاثة الأخيرة، طور تراجعٍ عامّ طال مستوياته كافة: السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية. وقد تفاقمت معطيات ذلك التراجع على نحوٍ لا سابق له، بَدَا معه الوضع العربي وكأنه جانحٌ نحو السقوط. مظاهر عديدة تشهد على ذلك التدهور والتراجع:

1- مظهر تداعيات الهزائم العسكرية أمام الأعداء الخارجيين في السياسات الرسمية العربية، وبناء هذه السياسات على قاعدة التسليم بتلك الهزائم كأمر واقع، لا على قاعدة التخطيط لمواجهة آثارها، ومَحْو تلك الآثار. وإلى تلك التداعيات يعود تفسير ظواهر سياسية سلبية وبالغة الخطورة في نتائجها مثل التنازل عن الثوابت، والتفريط في الحقوق، واللهاث وراء التسويات المجحفة مع العدو، وإسقاط الخيار الدفاعي، والتمسك الأعمى بالحل الأمريكي لقضايا الصراع العربي – الصهيوني. إن هذا النزوع التفريطي الانهزامي هو الذي قاد الأمة إلى “اتفاقية كامب ديفيد”، و”مؤتمر مدريد”، و”اتفاق أوسلو”، و”اتفاق وادي عربة”، واتفاقيات التطبيع مع الكيان الصهيوني، والتسليم بالاحتلال الأمريكي للعراق، والاعتراف بالمؤسسات غير الشرعية التي أقامها وفرضها على العراقيين، وترك الشعب الفلسطيني وحده يواجه القمع الصهيوني والاستيطان والتهويد. ولقد أخذ هذا المنحى السياسةَ العربية الرسمية إلى إسقاط التزاماتها القومية كاملة والتشرنق على فكرة “السلام” مع حسبانه “خياراً استراتيجيّاً وحيداً”!

ومن الجدير بالذكر أن القوى الحيّة في الأمة قد تمكّنت، غير مرة، من تلقين هؤلاء الأعداء الخارجيين دروساً قاسية، بدءاً بحرب الاستنزاف وحرب تشرين الأول/أكتوبر1973. وإذا كانت النخب العربية الحاكمة قد تكفّلت، لاحقاً، بتحويل الإنجازات التي تحققت في هاتين الحربين إلى هزيمة سياسية، فإن القوى الحيّة في الأمة قد واصلت نهجها المقاوم، وتمكّنت من تحقيق انتصارات عسكرية لافتة، كما في إفشال المشروع الصهيوني في لبنان في أعقاب احتلاله في 1982، وانتفاضة الحجارة الفلسطينية في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وتمكّن المقاومة اللبنانية من طرد بقايا القوات الصهيونية عام2000 من الشريط الجنوبي المحتل منذ1978، وإجبار المقاومة الفلسطينية الحكومة الإسرائيلية على إخلاء قطاع غزة وتفكيك مستوطناته في2005، وإلحاق المقاومة اللبنانية للمرة الثانية هزيمة نكراء بالكيان الصهيوني إبان عدوانه على لبنان في2006، وتمكّن المقاومة العراقية من تعويق المشروع الأمريكي في العراق والمنطقة بل وتغيير المعادلة السياسية في الساحة الأمريكية، وإجبار المحتل على وضع جدول زمني للانسحاب من العراق.

وإذا كانت هذه الإنجازات كافة تعني أن قوى المقاومة الحية في الأمة ما زالت قادرة على صدّ موجات التراجع فإنه من الضروري الاعتراف بأن تخلّي النظام العربي الرسمي عنها تماماً وتورطه في مواقف سياسية تعزّز التراجع ولا تصدّه، والانقسامات داخل صفوف المقاومة العربية وانهماكها في معارك سياسية لا تخدم غاياتها النهائية، وقوة الفعل المضاد من قوى الهيمنة لهذه المقاومة عوامل أفضت كلّها إلى تعويق ترجمة هذه الانتصارات إلى مدّ قومي شامل يقضي على الهجمة العدوانية التي تتعرض لها الأمة.

2- مظهر التدهور المروّع في معدَّلات النموّ الناجم، أولاً، عن فساد السياسات الاقتصادية الرسمية، وعن الانتقال من الاقتصاد الموجَّه إلى الاقتصاد الحرّ دون ضوابط، وما استتبعه ونجم عنه من بيع ممتلكات الدولة والشعب إلى أفراد خرج أكثرُهُم من رحم بعض فساد القطاع العام والنهب المنظم للثروة وللمالية العامة…، والناجم، ثانياً، عن سياسات الاستدانة وتبعاتها الخطيرة على مالية الدولة، والانصراف المتزايد عن القطاعات الإنتاجية إلى قطاع التجارة والخدمات ومجمل أشكال الاقتصاد الطفيلي، ثالثاً، والناجم، رابعاً، عن سوء التدبير للفجوة المتزايدة بين الموارد والسكان، وسوء تدبير المال العام، والإنفاق على برامج التنمية وهدر الموارد، وسوء تدبير برامج تنمية الأسرة.

وكان لذلك التدهور المروّع كلفته الاجتماعية الكبيرة: البطالة المتزايدة، والتهميش الاجتماعي، والفقر المتفاقم، وتدهور مركز الطبقة الوسطى في المجتمع، وإفراغ الأرياف من ساكنيها وترييف المدن، ثم ما تولَّد عن ذلك من ظواهر كالعنف الاجتماعي، والعنف السياسي، وتحلُّل منظومة القيم، وتفكُّك الأسرة، وخراب النظام التعليمي.

لقد انهار الأمن الاقتصادي والغذائي في الوطن العربي بنتيجة ذلك كلِّه. وفي امتداد انهياره، زحف الفقر ليشمل قطاعاتٍ عريضةً من السكان، وازدادت الفوارق الطبقية بشكل فاحش ومخيف، وارتفعت درجة الاحتقان الاجتماعي الداخلي، وباتت البلاد العربية مرتعاً لأنواعٍ من التناقضات والصراعات الاجتماعية، تهدّد بزعزعة استقرارها وتعريض أمنها الاجتماعي للخطر.

3- مظهر تزايد وتائر الاستبداد والتسلط في النظم السياسية العربية، وانعكاسهما إهداراً متعاظماً للحريات العامة وحقوق الإنسان. إذ تعاني الحياة السياسية العربية اليوم انسدادٍاً خطيراً قادت إليه سياسات التسلط، واحتكار السياسة والسلطة من قبل نخبةٍ ضيقة، أو عائلة، أو طائفة، أو حزب حاكم، وتهميشََ سائر التعبيرات السياسية الأخرى، وإطلاقً قوى الأمن والاستخبارات في الشؤون العامة، وانتهاكَ القانون والدستور (إن وُجِد)، وتزويرَ إرادة الشعب في الانتخابات، وخرقَ استقلالية القضاء وإخضاعَه للسلطة التنفيذية، وتكميمَ الصحافة بتسليط سيف الرقابة عليها، واحتكارَ الإعلام السمعيّ – البصري، وفرضَ أحكام الطوارئ والقوانين الاستثنائية، وإنشاءَ محاكم غير قانونية لمحاكمة سجناء الرأي، وتجريدَ المعتقلين من حقوق الدفاع ومن الضمانات القانونية والدستورية للمحاكمة العادلة، والتضييقًَ على حرية البحث العلمي، وانتهاكَ أبسط الحقوق المدنية كالحق في السفر والتنقل، وحرمانَ المرأة من حقوقها الطبيعية، وتجاهلَ مطالب المجتمع والمنظمات المدنية والمعارضة ومواجهتها – في معظم الأحيان – بقسوة. وقد ذهبت الأزمة بالنظام السياسي للدولة العربية إلى حدود تحويل الدولة إلى جزء من أملاك الحاكم، على نحو ما تعبّر عنه سياسة التوريث وتحويل الجمهوريات إلى ملكيات جديدة مطلقة!

4- مظهر تضخُّمُ حالة الانكفاء الكياني للدولة القطرية العربية وتضاؤل أحجام ومستويات الصلة بين الدول العربية. لقد وأدت الدولة القطرية العربية فكرةَ الوحدة العربية، لأن المصالح السياسية والطبقية التي يستند إليها النظام السياسيّ فيها، والنخب الحاكمة فيه، تنامت وترسّخت إلى الدرجة التي بات الدفاع عنها، هو الهدف الاستراتيجي الأول لتلك النخب! في المقابل، لم تكن صادقة في صناعة شراكة إقليمية تعاونية – حتى دون مستوى الوحدة – في إطار جامعة الدول العربية، لأن درجة حساسيتها تجاه مسألة السيادة ظلّت عالية جدّاً، فَمَنَعَتْها من رؤية خيار التعاون والشراكة رؤيةً صحيحة. وإذا كان ما يسمّى بالنظام الإقليمي العربي قد بلغ اليوم نهاية نفقه المسدود مراوحاً مكانه، فإن الأنكى والأدهى أن علاقات الدول العربية ببعضها البعض انحدرت إلى دَرَكٍ مخيف: في السياسة كما في الاقتصاد والتجارة، إلى حدٍّ نَكَاد لا نعثر فيه على حالة جوارٍ واحدةٍ حَسَنَة بين دولة ودولة. فَمِنْ مشاكل الحدود، إلى إيواء المعارضين من الطرفين، إلى خوف الواحدة منها من تَحَالُفِ الأخرى مع قوى خارجية، إلى غير ذلك من أسباب ذلك التدهور المطَّرد في العلاقات العربية – العربية الذي يدفع بعضها أحياناً إلى القطيعة السياسية والدبلوماسية، بل إلى المجابهة العسكرية!

لكن أخطر ما انتهت إليه أوضاع النظام القطري العربي لم يكن ترسُّخُه وانغلاقُه، بل تَحَلُّلُه وتفتته وبداية انفراط عقده على نحو ما نُعَانيُه في حالات الصومال والعراق والسودان ولبنان، على تفاوتٍ بينها في الدرجة. إن القوى الاستعمارية التي مزّقت المشرق العربي إلى دويلات قطرية، باتت تستكثر على العرب حتى تلك الدويلات نفسها، متطلعة إلى إعادة تمزيقها وتفصيلها من جديد على مقاس الطوائف والمذاهب والعشائر والجماعات الإثنية الصغرى، وليس النفخ الخارجي في النزاعات الأهلية الداخلية وتنمية العصبيات المحلية وتعزيز الانقسام المذهبي، إلا محاولات لدق الإسفين بين القوى الداخلية المكوّنة للجماعة الوطنية، قصد دفعها إلى الاقتتال مَعْبَراً نحو تقسيمٍ وتجزئةٍ جديديْن!

5- مظهر الانهيار المروّع للأمن القومي نتيجة عجز القدرة الدفاعية العربية عن صونه وحمايته. كان اختلال التوازن العسكري بين الدول العربية و”إسرائيل” – لصالح الأخيرة – بدايةَ ذلك الانهيار، خاصة بعد إسقاط النخب العربية الحاكمة للخيار العسكري وجنوحها المعيب للتسوية. إِذِ اسْتُبِيحَ الأمنُ القومي في هذا السياق، وبات في وسع إسرائيل أن تزحف بجيوشها إلى لبنان، وأن تقصف المراكز العلمية والصناعية العربية (مفاعل تموز العراقي)، وأن تضرب طائراتُها مقر منظمة التحرير في العمق التونسي، وتُنْزِلَ في ذلك العمق فرق اغتيالٍ لتصفية قادة الثورة الفلسطينية (اغتيال الشهيد خليل الوزير: “أبو جهاد”)، وأن تمرح طائراتُها وبوارجها في الأجواء والمياه اللبنانية، وأن تضرب مراكز القوات السورية في لبنان، بل وتقصف العمق السوري…، دون أن تلقى ردّاً. لكن الدرجة الأعلى في ذلك الانهيار، الذي أصاب الأمن القومي العربي، هو التدفق العسكري الواسع للقوات الأمريكية على الجزيرة العربية والخليج منذ التحضير لضرب العراق في العام 1991، وصولاً إلى تدميره والاستقرار في دول منطقة الخليج العربي، انتهاء باحتلال العراق، والتطلع إلى الإخضاع الكامل لسائر دول الدائرة العربية حتى تلك التي تقبل منها بفكرة الأمن المستورد بدل الأمن القومي العربي. ولم يكن ليعدِّل من هذا الانهيار نسبيّاً سوى النجاح في إلحاق ضربات موجعة بالقوى المعادية على نحو ما سبقت الإشارة إليه.

Related posts

في دفتر أحوال أمتنا: لماذا تحترق الخريطة ولا تكتمل الدولة؟

ماذا نريد؟

شرقٌ لا شرقَ بعده