بعد أيام من فرض الولايات المتحدة الأمريكية، إجراءات اقتصادية غير مسبوقة في التاريخ، تستهدف خنق إيران اقتصاديا، أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة قطع التبادل التجاري والمالي مع إيران، رغم أنها كانت حريصة على الفصل بين المسار الأمني والمصالح الاقتصادية معها، بل قيل إن تفاهما إماراتيا إيرانيا كان قائما، يقضي بوقف استهداف الإمارات بالصواريخ والمُسيّرات في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران. فما دوافع القرار الإماراتي ضد إيران في الوقت الحالي؟
تُعد دولة الإمارات العربية المتحدة شريكا تجاريا مهما لإيران، وكانت طوال السنوات الماضية نافذة اقتصادية ومالية مهمة جدا لها على العالم الخارجي. ويبلغ حجم التجارة بين البلدين أكثر من 20 مليار دولار سنويا. لكن الأهم من ذلك هو أن طهران كانت تعتمد على أبو ظبي، كمركز لإعادة التصدير والخدمات اللوجستية والمالية، ويوجد فيها حوالي 8 آلاف شركة إيرانية تعمل في مجالات مختلفة. وقد اتخذت دولة الإمارات موقفا هادئا مع إيران على مدى عقود من الزمن، حتى إن احتلال الأخيرة للجزر الإماراتية الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، لم يدفعها الى التصعيد في هذا الملف، بل حرصت على اتباع وسائل سياسية هادئة في التعامل مع طهران. في حين أن الأخيرة لم تتوان عن استهداف دولة الإمارات بالصواريخ والمُسيّرات في الحرب الأخيرة. وكانت آخر أفعالها هو استهداف سفينتي شحن عائدتين لشركة النفط الوطنية الإماراتية (أدنوك)، كانتا تعبران في الخليج العربي.
إن توجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، استبدال العمل العسكري بالضغط الاقتصادي عالي التكلفة وشديد الخنق، اقتضى الطلب من بعض دول المنطقة، التي لديها تعاملات تجارية واسعة مع طهران بالتوقف عن ذلك، وبذلك باتت المعادلة الجديدة في الضغط قائمة على الحصار البحري، مضافا إليه مشاركة الدول المجاورة في قطع الصلات الاقتصادية معها. وهنا تبدو دولة الإمارات هي الأكثر أهمية في هذه المعادلة، نظرا لشراكاتها التجارية الكبيرة مع إيران. وتأمل واشنطن أن يحقق هذا الضغط نتائج لم تتمكن من تحقيقها بالمسار العسكري. فإدارة الرئيس ترامب تبحث اليوم عن استراتيجية جديدة للخروج من الحرب، لا تسمح لإيران بالسيطرة على مضيق هرمز، لكن تسمح لواشنطن بالخروج من الحرب، وتخفيف الضغوط الاقتصادية التي تواجهها هي والاقتصاد العالمي. وعليه سوف نرى استمرارا للضغط الاقتصادي الأقصى عبر تفعيل الحصار البحري، وقطع طرق الإمداد مع دول الجوار الإيراني. بالتالي سيد الموقف هو انتظار شكل هذه الضغوط القصوى، لأن أي تصعيد متصل بالشركاء الإقليميين أو الصين مثلا ستكون له تداعياته وكلفته، هذه الكلفة التي لحد الآن لا تريد الولايات المتحدة أن تتحملها وحدها.
يدّعي النظام الإيراني ومؤيدوه في الداخل والخارج، أن لدى إيران 47 عاما من الخبرة في كيفية الصمود في وجه العقوبات الاقتصادية، ودائما لديهم حلول بديلة وبدائل، وقوى إقليمية ودولية تساعدهم، ولربما سوف يتمكنون من التكيّف بالطريقة السابقة نفسها. يبدو أن هذا القول فيه شيء من الصحة، لكن التصعيد اليوم ليس كما كان من قبل، فهو يأتي مُضافا إلى العقوبات، التي كانت بالفعل مفروضة في خلال السنوات الـ47 الماضية. فجزئية الحصار البحري تمثل تصعيدا مُعتبرا لا الضغوط المالية المفروضة فقط. نعم تكيفت إيران بشكل أو بآخر سابقا، من خلال نقل النفط بسكك الحديد والشاحنات برا والتجارة البينية، لكن هذا التكيّف كانت له كلفته على الجانب الإيراني. اليوم النظام الإيراني لديه مخاوف وجودية، وهي أشد خطرا من المخاوف الاقتصادية، بالنظر إلى عزلة إيران عن المجتمع الدولي. لذلك يمكن أن تؤدي هذه الضغوط الاقتصادية الجديدة الى نتيجة غير مستقرة، بل قد تؤدي الى إعادة اشتعال النزاع بشكل أو بآخر، في حين أن دول الإقليم تحاول تحقيق الاستقرار.
كما قد يقول البعض، إنه ليس أمام الإيرانيين سوى الصمود لشهرين أو ثلاثة، حتى تنجلي سحابة الانتخابات النصفية في الكونغرس الأمريكي في نوفمبر/ تشرين الثاني القادم، فتتغير السياسة الأمريكية تجاه كل ما يجري، مُراهنين على خسارة الجمهوريين الأغلبية في الكونغرس الأمريكي. في حين ينسى أصحاب هذا القول حقيقة مهمة في علم السياسة تقول، كل من يبني نجاح استراتيجيته اعتمادا على عناصر يملكها الآخرون فالاستراتيجية تكون فاشلة. كما أن حصار الـ47 عاما مؤشراته مختلفة، وسياسة الحصار على إيران مختلفة هذه المرة. هناك حصار على الموانئ الإيرانية، وبدأ حصار اقتصادي من نوع مختلف، وهناك تحركات أمريكية أيضا مع دول الجوار الإيراني. أيضا المراهنة على الانتخابات النصفية الأمريكية ليست واقعية تماما، فهي لن تغير كثيرا من المشهد، حتى لو فاز الحزب الديمقراطي بالأغلبية في الكونغرس. فالمهم في المحصلة النهائية أن الرئيس جمهوري، وهو مصمم على موقفه ومعه أجهزة تنفيذية، والدستور الأمريكي يسمح له بخطوات عديدة. ربما الديمقراطيون يُعرقلون أي عمل عسكري. لذلك ترامب قد تحسّب لهذه الخطوة وبدأ بالحصار الاقتصادي الجديد على طهران، وهذا لن يحتج عليه الديمقراطيون.
من الواضح في دينامية هذه المواجهة، أن هذه الحرب لا تحظى بشعبية لدى الأمريكيين، والكونغرس بالفعل حاول لجم صلاحيات الرئيس ترامب، وليس واضحا ما إذا كانت الأمور سوف تنتهي إلى نتائج انتخابية مُغايرة للغاية. وعليه قد يكون من الأفضل المُراهنة على نتائج تاريخ آخر ليس في نوفمبر، حيث الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي، بل على موعد لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، في سبتمبر/أيلول القادم. فمن المؤكد البحث في أي ضغوط إضافية على إيران، سيكون لها تداعيات على الجانب الصيني، وهم موقفهم واضح في هذا الشأن، حيث يرفضون ذلك. إذن علينا ليس فقط التركيز على الانتخابات النصفية، بل على الدور الصيني والدعم الذي يمكن أن تقدمه في هذا المجال. أيضا علينا النظر إلى الضغوط المُعاكسة التي يمكن لإيران أن تفرضها على حلفاء الولايات المتحدة.
هذه الديناميات كلها مجتمعة، بالإضافة الى الحصار البحري العسكري، هي ورقة الضغط الأساسية، هناك أيضا الضغوط المالية التي تأتي لتزيد الأمور سوءا. علينا أيضا أن نترقب في ما إذا كانت الإمارات ستمضي بعيدا في قرارها الأخير، وكيف يمكن لهذا القرار أن يؤثر على تذبذب أسعار الطاقة، لكن في العموم الوضع ربما متجه نحو مزيد من التصعيد.