انفانتينو يلهث خلف «جزرة» ترامب!

لم تعد المصائب تأتي فرادى، ولم يعد الخنوع الى أوامر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يخفى على أحد، حيث يسعى جاني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، الى إقناع عشاق اللعبة بأنهم يعيشون في «أفضل العوالم الممكنة»، غير أن الأمر المثير لخيبته هو أن كثيرين لا يشاركونه هذا الرأي. ففي يوم الاثنين الماضي، نشر إنفانتينو بياناً مطولاً (مكوناً من 15 صفحة) عبر «إنستغرام»، ندد فيه بـ«الكراهية والاشاعات الكاذبة» التي انتشرت خلال بطولة كأس العالم 2026 الأخيرة. وسواء تعلق الأمر بتدخل البيت الأبيض بشأن قرار تحكيمي حاسم، أو بأسعار التذاكر الباهظة، أو بفترات استراحة شرب المياه (التي لا داعي لها فعلياً لكنها تدر أرباحاً طائلة)، فقد اعتبر إنفانتينو كل ذلك، على حد تعبير صديقه المقرب في عالم السياسة دونالد ترامب، مجرد «أخبار زائفة». لكن، في حين يرى رئيس الهيئة الحاكمة لكرة القدم العالمية «كارهين» ومتربصين، يرى آخرون عشاقاً حقيقيين للعبة يشعرون بقلق مبرر إزاء المسار الذي يقودهم إليه الرجل السويسري، إذ أكد الفيفا يوم الثلاثاء الماضي أنه يطمح الى بيع حصص في بطولة كأس العالم وبطولات أخرى لمستثمرين من القطاع الخاص، يبدو أن من بينهم جوشوا كوشنر، شقيق جاريد كوشنر (صهر ترامب). وسيقوم هؤلاء المستثمرون بشراء حصص في شركة جديدة تبلغ قيمتها 20 مليار دولار وتحمل اسم «فيفا فوروورد إنتربرايز» وهي شركة ستتولى بيع جميع الحقوق التجارية للاتحاد الدولي لكرة القدم، بما في ذلك حقوق بيع التذاكر، وتتولى مسؤولية «التنفيذ التشغيلي» لبطولات كأس العالم.

ومن المعلوم أن أفراد عائلة ترامب الموسعة لا يفكرون عادةً في خوض مشاريع تجارية بدافع نشر «البهجة والسعادة» في العالم (وهي المهمة التي يزعم إنفانتينو المثير للجدل والشفقة أنها غايته). وإذا ما مضت هذه الخطط قدماً، مدعومةً بإغراءات مالية تتمثل في مكاسب مفاجئة وعطايا وهبات بقيمة 30 مليون دولار الى الاتحادات الوطنية، فإن رغبة المستثمرين في تعظيم الإيرادات ستؤدي بلا شك إلى تسريع وتيرة تحويل كأس العالم إلى آلة ضخمة لجني الأموال، وهي عملية جارية بالفعل.

ومن شبه المؤكد أن ذلك سيخلق ضغوطاً لإقامة بطولات أكثر تكراراً (مثل مونديال كل سنتين بدل أربع سنوات) وأضخم حجماً (بمشاركة 64 منتخبا بدلا من 48)، سواء على مستوى الأندية أو المنتخبات الوطنية، ما سيؤدي إلى تشويه روزنامة كرة القدم الدولية والإضرار بالدوريات المحلية. وقد أبدى إنفانتينو بالفعل تأييده لمثل هذا التوسع، متجاهلاً اعتراضات هيئات كروية مثل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا). كما أنه لا شك ستنتشر ابتكارات مثل فترات استراحة شرب المياه، التي قوبلت باستياء واسع النطاق، إذ أتاحت مساحات إعلانية إضافية عبر تقسيم المباريات إلى أربعة أشواط على الطريقة الأمريكية. ويعيد هذا الاحتمال إحياء المخاوف التي أثارتها مقترحات «الدوري السوبر الأوروبي» الفاشلة، والتي قوبلت بمعارضة شديدة من مشجعي كرة القدم في عام 2021. وخلال بطولة كأس العالم التي أقيمت هذا الصيف في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، لا بد أن السيد كوشنر وآخرين لمسوا بأنفسهم الإمكانات التجارية الهائلة لحدث يوحّد جمهوراً عالمياً في عصر يتسم بتشتت وسائل الإعلام. وبصفته المسؤول الأول عن اللعبة، يتمثل الدور الأساسي للاتحاد الدولي لكرة القدم في حماية اللعبة من القوى التي قد تسعى الى استغلال جاذبيتها عبر «بيع روحها»، غير أن الفيفا، في عهد السيد إنفانتينو، يبدو سعيداً بالقيام بتلك المهمة نيابة عنهم.

وتشير المعارضة الغاضبة لهذه الخطط من جانب الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) واتحاد أمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي (كونكاكاف) والاتحاد الآسيوي إلى أن حوكمة اللعبة ربما تقف عند مفترق طرق. لطالما أثارت مساعي السيد إنفانتينو الدؤوبة للترويج لنفسه، ومحاولاته السافرة لكسب ود إدارة ترامب، حالة من الاستياء، إلا أن تعريض المنافسات الرياضية الأكثر مشاهدة في العالم لخطر الافتراس من قبل رؤوس الأموال الخاصة يمثل أمراً مختلفاً تماماً من حيث الحجم والخطورة. ولهذا سارع الاتحاد الأوروبي للعبة (يويفا) الى الإعلان عن انسحابه من أي بطولة ينظمها الفيفا في حال مضى قدما في مشاريعه التجارية.

كان جول ريميه، صاحب الرؤية الأولية ومبتكر كأس العالم، يأمل بأن تسهم البطولة في تعزيز الوحدة والتضامن بين الأمم. ورغم أن السيد إنفانتينو كثيراً ما يتغنى بهذه المبادئ، كما فعل مجدداً في منشوره الطويل على «إنستغرام»، إلا أنه في الواقع يباعد أكثر فأكثر بين الرياضة الأكثر شعبية في العالم وبين جذورها، مقتفياً أثر المال بلا هوادة أينما قاده، ومطارداً «الجزرة» التي ستضمن له منصباً رفيعاً الى الأبد ما بعد نهاية ولايته القادمة رئيساً للفيفا في 2031، وبينها رئيس شركة «فيفا فوروورد إنتربرايز» التي ستحلب بطولات الفيفا، أو حتى أن يصبح رئيسا للأمم المتحدة، بحسب مصدر قريب من ترامب. وأي يكن فان جماهير كرة القدم هي التي ستدفع الأثمان.

Related posts

أعيذكَ أن يعاصيكَ القصيدُ

المشروع العربي

مشروع عربي لا بد منه؟