كيف تحول “السلطان” إلى ظل الله.. والوطن إلى “مكرمة”
عدنان_الروسان
لماذا نجحت تركيا وإيران وأفغانستان في صد المشاريع الغربية، بينما سقطت المنظومة العربية في فخ التبعية المطلقة؟ مائة عام من التفكيك المستمر.. فهل كُتب علينا انتطار معجزة لن تتحقق، أم أن الحل يبدأ بكسر الطلاق المصطنع بين عروبتنا وإسلامنا
إنَّ الانقـ.ـلاب الحضاري في كامل منظومة القيم والأخلاق الإسلامية الذي حدث بعد انهيار الخـ.ـلافة وتفـ.ـكيك الأرض العربية —التي كانت وحدة واحدة— إلى عشرين دولة وعشرين علماً وعشرين سيادة، كان لابد أن يتبعه استهـ.ـدافٌ للعامل الديني للأمة، وتعميم حالة من الجهل المغلف بالحضارة الغربية الجديدة الطارئة. هذه الحضارة لم تأتِ فقط لهدم الخـ.ـلافة، بل لتفـ.ـكيك المنظومة الدينية؛ الضامن الوحيد للهوية العربية الإسلامية. وقد قام مهندسو الغرب بقراءة مستفيضة، ورسموا إستراتيجية بعيدة المدى تعتمد على خلق حالة من التنافس بين الدول الجديدة التي صنعها “سايكس بيكو”، ثم تحويل هذا التنافس إلى صـ.ـراع سياسي ثم عسـ.ـكري، وهو ما حدث على مدى مائة عام بلا توقف.
من جهة ثانية، كان لابد من استبدال انقياد الشعوب لله سبحانه وتعالى وانصياعهم الواعي للحاكمية الدينية —المتمثلة بالقيم والأخلاق الإسلامية التي يهتدي بها المجتمع لصياغة علاقة متوازنة ووازنة في حياته— بنمط جديد؛ يعتمد على انقياد الشعوب لمفاهيم الدولة الحديثة وسيادة القانون الوضعي المشوّه. وتم تجسيد الوطن في شخص الحاكم العربي وحده لا شريك له، بحيث صار المساس بالحاكم مساساً بالثوابت الدينية والشرعية التاريخية. بل إن الحاكم أُضفيت عليه صفات تنتمي للمطلق، وصار انتقاد أدائه —ولو بالحسنى ولو بالمطالبة بردّ الحقوق— كفـ.ـراً بواحاً! وقام بعض الشيوخ والمفتين بإصدار فتاوى تُهدر دم من يعترض على الحاكم بحجة أنه “ظل الله في الأرض”، ويتم الترويج لذلك عبر شرائح مستفيدة ومن خلال الإعلام الرسمي، حتى صُوِّر الخروج عن رأي السلطان مروقاً من الدين.
لم يعد بالإمكان الحديث عن أن “الإسلام هو الحل” أو أنه مصدر التشريع الحقيقي، كما أن الحاكم العربي وجد دائماً من يبتكر له المعاذير الشرعية التي تحلّه من الانقياد الكامل للحاكمية الإلهية التي نظّمت الدولة الإسلامية بنسب متفاوتة على مدى ثلاثة عشر قرناً. كل هذا أدى إلى انهيـ.ـارات متتابعة في منظومة التفكير العربي على كافة الصعد، حتى وصلنا إلى التنافس في التماهي مع الغرب الذي قسّمنا إلى دول ودويلات. وصارت الحضارة الغربية بمفهومها المادي البحت هي محور النقاشات في مدننا ودواويننا، وبين مفكري الأمة وسياسييها وعلمائها، وصار من غير المألوف أو المستحب الحديث عن تراثنا وتاريخنا. ولم يكتفِ الغرب بشن هجمته المخطط لها في وثائق وإستراتيجيات مكتوبة ومعدة مسبقاً —مثل وثيقة “بنرمان” واتفاقية “سايكس بيكو”— بل عمل على إحداث شـ.ـرخ عميق بين المسلمين عبر إذكاء الطـ.ـائفية، ثم ألّب الحكومات على الحركات والتيارات الإسلامية بمختلف مشاربها، حتى بتنا أعداءً لبعضنا البعض في العالم العربي والبيئة الإسلامية المجاورة.
وهنا تكمن المعضلة الكبرى؛ فقد نجح المخطط الغربي في إحداث قطيعة مصطنعة وصراع وهمي بين “العروبة” و”الإسلام”، في حين أن الحقيقة التاريخية تؤكد أن التجسير بين العروبة والإسلام هو صمام الأمان الوحيد. فالعروبة هي الجسد والوعاء الثقافي واللغوي، والإسلام هو الروح والمنظومة القيمية والحضارية. ولا يمكن لأحدهما أن ينفك عن الآخر دون أن تفقد الأمة هويتها؛ فإسلام بلا عروبة يفقد لسان بيانه الأخاذ، وعروبة بلا إسلام تتحول إلى مجرد عصبية جافة بلا مشروع إنساني أو أخلاقي. إن إعادة هذا التجسير هي الخطوة الأولى لترميم الهوية المبعثرة.
إن استبدال الحقوق بالمكرمات، والحريات بالقوانين المقيدة، والولاء لله بالولاء للأفراد، واعتبار قوانين الدولة القطرية العربية تسعى للسمو على الشرائع مع منع الناس من التعبير والاختلاف؛ أدى في النهاية —حين غُيِّبت القدرة على النقد— إلى خضوع الشعوب لـ “نظرية القطيع”. ومع مرور الوقت، انقلبت السمات الإنسانية الأصيلة لتصبح التبعية والعبودية نمطاً سائداً ومقبولاً؛ فلم يعد الناس يطالبون بحقوقهم المشروعة، بل باتوا يطالبون “بكل أدب” بتحسين شروط العبودية! وهذا ما شجع الكثير من الحكام ليتجرؤوا على شعوبهم ويعتبروا أنفسهم منّة من الله عليها، وأن على الرعية أداء فروض الطاعة والولاء المطلق.
هذه الحالة من الاستبداد السائد خلقت بيئة سياسية شديدة الضعف؛ فبينما صار ولاء المواطن للحاكم، تحول ولاء الحاكم وقراره إلى قوى خارجية في حالة تبعية تامة. المحصلة النهائية كانت ضعف الأمة وخسارتها لكل معاركها. وفي حين كان التأثير تدميرياً على الدول العربية، كان له طابع آخر على دول إسلامية غير عربية (مثل أفغانستان، إيران، وتركيا) نجحت في صد الهجمات السياسية والعسكرية والاقتصادية؛ لأنها امتلكت اعتزازاً بموروثها، وجعلت دساتيرها وتشريعاتها متصلة بهويتها التاريخية، فقاتلت بشراسة من أجل استقلال قرارها السياسي، ونجحت في خلق حالة مستعصية على المشروعين الغربي والصـ.ـهيوني.
فلماذا تخلف العرب عن خلق مشروع جامع لهم؟ مشروع قد يستغرق عشر سنوات أو مائة سنة، لكن البدء فيه وتأسيسه يبقى خيراً من انتظار معجزة لن تتحقق.
من هنا، ومن بين ركام هذا الواقع، أطرح عليكم —أيها القراء الأعزاء، والمثقفون، والسياسيون، وأصحاب القلم والفكر— فكرة إطلاق “المشروع العربي النهضوي الجامع” ليكون مادة للنقاش المفتوح.
كيف يمكننا صياغة هذا المشروع ليتجاوز حدود الدولة القطرية الضيقة؟
كيف نعيد بناء الوعي وحق المواطنة بعيداً عن ثقافة المكرمات؟
هذه المبادرة ليست مجرد كلمات ، بل هي دعوة جادة لكل من يرى في نفسه القدرة والرغبة في المساهمة الفكرية أو التنظيمية للبدء في وضع اللبنات الأولى لتأسيس هذا المشروع وتشكيل إطاره العام. شاركونا بآرائكم، وأفكاركم، ومقترحاتكم في التعليقات… فالطريق الطويل يبدأ بخطوة، والنهوض قرار يصنعه الوعي.