الرئيس الامريكي في أسوأ لحظات المشكل الايراني و قد بقدم على اي شيء
تتلبد سماء المنطقة بغيوم سوداء داكنة، حتى لو لم يكن يراها بعضُ من يجب عليهم رؤيتها.
تصريحات الرئيس الأمريكي حول “إعلان مضيق هرمز أرضاً أمريكية” تُصنّف استراتيجياً ضمن ما يُعرف بـ “سياسة الحافة” (Brinkmanship) و”تكتيك اللاإرادي السلوكي” (Madman Theory)، وهو أسلوب يهدف إلى دحر إرادة الخصم عبر إرسال إشارات غير متوقعة تجعل الخصم يحتار بين الجدية والتكتيك.
الرئيس الأمريكي لا يبدو طبيعياً أو على سجية الرؤساء والزعماء الكبار؛ إنه مزاجي جداً، أو كما يُقال بالإنجليزية unpredictable (غير متوقع)، ويعيش حالة من الوهم. ونحن نريد أن نصف المشهد بمفردات سياسية كلاسيكية، بعيداً عن التموضع وصنع شعارات فارغة من المضمون.
آخر تصريحات الرئيس ترامب الليلة الماضية: «سأعلن قريباً جداً مضيق هرمز أرضاً أمريكية، وإذا اعتدت إيران علينا فسنرد عليها بقوة تعادل مئة ضعف». هذه تصريحات مثيرة للسخرية وربما للقلق أيضاً؛ فكيف يمكن لأمريكا أن تعلن مضيق هرمز أرضاً أمريكية؟
بغض النظر عن أن هذا الأمر يعارض، بل يكسر، كل القوانين الدولية ومقررات الأمم المتحدة. ولكن لندع القانون الدولي جانباً، فالقانون الدولي وجد للضعفاء والمهزومين، والأمم المتحدة ليست سوى «حائط مبكى» تذهب إليه الدول التي لا تقدر على شيء؛ تذهب لتبكي وتشتكي وتقف أمام عدسات التلفزيونات العالمية، ثم تعود إلى اوطانها تحتفي «بالنصر العظيم» الذي حققته بالشكوى لمجلس الأمن!
الولايات المتحدة الأمريكية لا تقدر على البقاء في المنطقة بهذا الزخم من الحشد، فهو أمر عال الكلفة نفسياً ومالياً واقتصادياً. وها هي الصحف الأمريكية ينشر بعضها تقارير عن حالة البؤس التي تكاد تصل إلى حد الجنون والانتحار لكثير من الجنود الذين يعيشون على متن حاملات الطائرات الأمريكية الموجودة في مسرح العمليات أو بالقرب منه منذ فترة طويلة. وقد قام الرئيس ترامب ووزير دفاعه بمهاجمة الصحافة الأمريكية لأنها تنقل أخبار الجنود الأمريكيين في المنطقة وتذمر عائلاتهم، ومنعهم من استخدام الهواتف للاطمئنان على ذويهم.
إن تحليل المشهد السياسي والعسكري بوجود ترامب رئيساً لأمريكا ليس عملية سهلة؛ فهو كميزان الحرارة لا يستقر على حال: يهدد ثم يتراجع، يهدد بضربات ثم يتوارى، ويريد أن يوجه أكبر ضربة لإيران، ثم -نزولاً عند رغبة الأصدقاء- يتوقف عن الفعل.
بدأت أشك في أن الرئيس الأمريكي يقوم بعملية تمويه مقصودة ومحكمة بعد أن فشل في حربه السابقة التي لم تفضِ إلى شيء سوى كراهية المجتمع الدولي لأمريكا، ورفض أوروبا «قلم قايم»، وأستراليا واليابان وكندا وتركيا والناتو ودول الخليج الانضمام للحرب مع ترامب.
إنه وحده هناك، وحده لاشريك له الا شيلوك تاجر البندقية و اليوم تاجر هرمز
تحفه مجموعة من المغامرين الذين لم يعملوا يوماً في السياسة؛ حيث بدأ البعض بالهروب من جوقته، حتى إن الناطقة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت قد قدمت استقالتها لثتفرغ لبيتها وزوجها كما قالت.
أقول: ربما يكون ترامب يقوم بعملية تمويه استراتيجية حتى تشعر إيران بالأمان، خاصة بعدما رأت أن تهديدات ترامب فارغة، وأن القوات الأمريكية غير قادرة على الفعل، وأن مضيق هرمز شريان حيوي بالنسبة لأمريكا والعالم.
وصل ترامب إلى مرحلة انسداد كامل تقريباً، وهو يجد نفسه معزولاً وغير قادر على إقناع أحد بالاصطفاف معه في الحرب، ولا حتى دول الخليج التي يتهمها البعض بأنها تنفذ أوامر أمريكا، لكن في التحليل الموضوعي البعيد عن العواطف والانحياز، لا بد من الاعتراف بأن دول الخليج لم تقبل الانخراط المباشر مع أمريكا في حربها.
ونتيجة لكل ما تقدم، فإننا لا نستبعد أن يقوم ترامب «بضربة مقفي» (ضربة مباغتة غير محسوبة النتائج)؛ فهو يريد أن ينتهي من هذه الحرب التي كلفته مصداقيته وهيبته، وكشفت عن الوهن الذي يعاني منه الجيش الأمريكي الذي ينفق عليه مكلفو الضرائب كل عام مبالغ هائلة.
الرئيس الصيني -بتعابير وجهه الوقورة الهادئة- يبتسم مليء شدقيه على التخبط الأمريكي، وأوروبا باتت قاب قوسين أو أدنى من البحث عن استقلالية أمنية، والعالم ملّ تماماً من التصرفات غير المحسوبة.
قد يوجه ترامب ضربة قوية على حين غرة لإيران، والمؤشرات قد تكون هذا الهدف الذي يسعى له، وإيران يبدو أنها حسمت أمرها؛ لأن خياراتها محصورة بين الاستسلام والحرب، وبالتالي ستختار الدفاع عن نفسها.
نحن أمام مسرحية مملة، والمتضرر الأكبر منها هو العالم العربي جله إن لم يكن كله، وسنكتب في ذلك إن شاء الله. أما الآن، فنحن بانتظار ما ستؤول إليه الأحداث حول هذا الممر الحيوي.
#عدنان_الروسان
