للسنوات القليلة الماضية، ظلت الضفة الغربية تبدو وكأنها “ساحة خلفية” أو مشهد جانبي في ظل العواصف التي تضرب الشرق الأوسط؛ وهو أمر مفهوم تماماً بالنظر إلى الحروب المستعرة في غزة ولبنان، والتوترات المتصاعدة مع إيران، وقائمة الأزمات التي لا تكاد تنتهي في المنطقة. ولكن، ألا تخدعنا العناوين؟ إن غياب أخبار الضفة الغربية عن صدر الصحف لا يعني أبداً أن الهدوء يسودها. ففي يونيو الماضي، أطلقت “مجموعة الأزمات الدولية” تقريراً وصفته بـ “الخنق” (Chokehold)؛ وهو تقريرٌ لو نُشر في ظروفٍ أقل اشتعالاً، لكان قد تصدر واجهات الإعلام العالمي بلا منازع.
تشريح الأزمة: أكثر من مجرد إفلاس
إن نتائج التقرير قاتمة ومقلقة؛ فالسلطة الفلسطينية، التي تمثل الهيكل الإداري للضفة، باتت بجميع المقاييس على شفا الانهيار التام. ورغم صعوبة التنبؤ بما إذا كان الانهيار وشيكاً أم أنه سيستمر في حالة “الاحتضار الطويل” لسنوات، إلا أن الأزمة تتجذر بعمق. هذه التقديرات لم تأتِ من فراغ، بل بُنيت على أكثر من 100 مقابلة ميدانية أُجريت على مدار عام كامل داخل الضفة الغربية وإسرائيل، مما جعل هذا التقرير مختلفاً عن التقارير الاقتصادية المعتادة التي اعتادت المنظمات الدولية على إصدارها.
الأرقام الموثقة تروي فصلاً من المأساة: الناتج المحلي الإجمالي انكمش بأكثر من 20% منذ أكتوبر 2023. معدلات البطالة قفزت لتتجاوز 30%، بينما تضاعف الفقر المدقع في فترة زمنية قياسية. ولكن ما هو أخطر من الاقتصاد، هو وضع السلطة الفلسطينية نفسها؛ ذلك الكيان الذي أُسس في 1994 بموجب اتفاقيات أوسلو كحكومة مؤقتة لمدة 5 سنوات، يجد نفسه اليوم في 2026، بعد 32 عاماً من عمر “التسوية”، غارقاً في أزمة وجودية. الرئيس محمود عباس، البالغ من العمر 90 عاماً، يقضي عامه الحادي والعشرين في فترة رئاسية كان من المفترض أن تنتهي منذ زمن طويل، وسط اتهامات بالفساد أضعفت شرعيتها في الشارع الفلسطيني وأفقدتها ثقة الأطراف الإقليمية والدولية.
اللعبة الاقتصادية: “الشيكل” كأداة للإخضاع
ما يجعل هذا الضغط الاقتصادي كارثياً هو طبيعة السلطة التي تفتقر للسيادة الاقتصادية. فبموجب اتفاقيات أوسلو، تجمع إسرائيل الضرائب والرسوم الجمركية (المقاصة) وتُحولها لرام الله شهرياً. هذه التحويلات تشكل ثلثي ميزانية السلطة. هذا التدفق النقدي كان مستقراً تاريخياً رغم الخلافات السياسية، حتى تغيرت قواعد اللعبة في مايو من العام الماضي، حين أوقف وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش التحويلات بشكل كامل، ولم تُستأنف منذ ذلك الحين.
الأمر يتجاوز الضرائب؛ فالاقتصاد الفلسطيني مرتبط هيكلياً بالشيكل، والبنوك الفلسطينية لا يمكنها العمل إلا بموجب “تراخيص” إسرائيلية. لقد استخدم سموتريتش هذه التراخيص كرهينة سياسية لابتزاز الحكومة الإسرائيلية نفسها. ففي 2024، مدد الرخصة لـ 4 أشهر فقط مقابل شرعنة بؤر استيطانية. وحين طالته عقوبات دولية، هدد بإلغاء التراخيص بالكامل، ولم يتراجع إلا بضغط أمريكي مباشر لتجنب “الانهيار الشامل”. اليوم، تعمل هذه التراخيص بنظام “أسبوعي” أو “نصف شهري”، مما يثبت أن التيار اليميني المتطرف في إسرائيل هو من يمسك بزمام الأمور، ويستخدم لقمة عيش الفلسطينيين ورقة ضغط سياسية.
الدوافع الخفية: لماذا الفوضى؟
يطرح هذا الواقع سؤالاً جوهرياً: لماذا تدفع أطراف في الحكومة الإسرائيلية نحو سيناريو قد يؤدي إلى الفوضى على حدودها مباشرة؟ الإجابة تكمن في انقسام الطبقة السياسية الإسرائيلية. جهاز “الشاباك” يحذر باستمرار من أن انهيار السلطة سيخلق فراغاً أمنياً في الضفة -التي تشرف مباشرة على القدس- وهذا يختلف جوهرياً عن غزة البعيدة.
لكن هناك تياراً يمثله سموتريتش يرى أن السلطة هي العائق أمام “مشروع الضم”. إنه يطرح علناً خطة لفرض السيادة على 82% من مساحة الضفة، تاركاً للفلسطينيين “جيوباً” سكانية معزولة. بالنسبة لهم، “الخنق” هو الوسيلة المثالية لإنهاء حلم الدولة الفلسطينية. هذا يتزامن مع إحياء مشروع “E1” الاستيطاني، الذي يهدف لشق الضفة إلى نصفين، وربط القدس بالكتل الاستيطانية، وهو ما احتفى به سموتريتش صراحة باعتباره “دفناً لفكرة الدولة الفلسطينية”.
مفارقة البقاء وخطر الغد
المفارقة أن السلطة لا تزال قائمة بسبب خوف الجميع من “اليوم التالي”. حتى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لا تزال تعتمد على 30 ألف عنصر أمني فلسطيني لمنع انفجار الأوضاع، فإذا توقفت الرواتب تماماً -وهي التي لا تُصرف كاملة منذ 2021- فمن سيضبط هؤلاء المسلحين؟
وفي الجانب الفلسطيني، تظل السلطة تبحث عن مخرج، حتى أنها طرحت نفسها كمرشح لإدارة غزة ما بعد الحرب، وهو طموح يبدو بعيد المنال في ظل الواقع الراهن. أما الدعم العربي والدولي، فقد تراجع بشكل حاد نتيجة اتهامات الفساد المتكررة؛ فالاتحاد الأوروبي يشير إلى مليارات فُقدت في مشاريع مشبوهة، والأنظمة الخليجية اشترطت إصلاحات جذرية -وربما رحيل عباس نفسه- قبل ضخ أي أموال، وهو ما لا يزال عباس يتجنبه بحذر.
خاتمة: هل من أفق؟
مع اقتراب مواعيد الانتخابات التي أعلن عنها عباس (نوفمبر 2026 تشريعية، وأوائل 2027 رئاسية)، يظل السؤال: هل هذه وعود جدية أم مجرد حبر على ورق كما حدث في 2021؟ تظل الضفة الغربية اليوم رهينة حكومة إسرائيلية تسعى لتقويضها، وسلطة فقدت بريقها وقدرتها على التمويل، وشعب ينتظر انفجاراً بات يلوح في الأفق. إن اللحظة التي ستسقط فيها آخر أوراق “الشرعية” للسلطة قد لا تكون مجرد نهاية عهد، بل بداية لواقع جديد لا يملك أحد اليوم خطة للتعامل معه؛ واقع سيكون فيه “الخنق” الذي مورس على الضفة قد أدى فعلياً إلى خنق أي أمل في الاستقرار بالمنطقة برمتها.
